محمد أبو زهرة
364
المعجزة الكبرى القرآن
يلقون السلام وإن ذلك حق لا ريب ؛ لأنه لا يباح الهجوم على من لا يعلن العداوة على المؤمنين ولكن هل يمنع الهجوم مطلقا ؟ وللجواب على ذلك نقول : إن الذي استنبط من صريح الآيات التي تلوناها أننا لا نحارب إلا من اعتدى علينا أو فتننا عن ديننا ، ومن الفتنة في الدين أن يمنع المتدين من إقامة شعائر دينه ، وأن يحال بين الحق والدعوة إليه . إنه في هذه الحال يكون القتال ، ولكن يزاد عليها إذا قامت العداوة التي ابتدأها غير المؤمنين بالاعتداء على المؤمنين ، ومحاولة غزوهم في ديارهم ، أو فتنتهم في دينهم ، فإنه عندئذ يتعين قتال العدو المترصد الذي لا يألو المؤمنين إلا خبالا ويود عنتهم ، وإرهاقهم ، فلا يكون الاقتصار في الحرب على الدفاع بأن ينتظر المؤمنون حتى يهاجمهم الأعداء ، وقد بدت عداوتهم وأعلنوها صريحة لا إبهام فيها ، إنه كما قال بطل الجهاد علي بن أبي طالب : ( ما غزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا ) . وبذلك نفسر قولنا إن المؤمنين ما قاتلوا إلا ردا للاعتداء بمثله أو توقفه ، ولقد تلونا الآيات التي تنهى عن قتل من لا يعتدى علينا ، ومن يعتزل قتالنا ، ومن يلقى علينا السلام . وإذا ظهر الاعتداء ، وما يسكت عنه إلا للاستعداد لمثله ، كان القتال مشروعا بكل ضروبه لهؤلاء الأعداء بالهجوم على مأمنهم ، وبالقصد إلى مكامنهم ، ولذلك يقول اللّه تعالى : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ( 6 ) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 7 ) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ( 8 ) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 9 ) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ( 10 ) [ التوبة : 5 - 10 ] . ويقول تبارك وتعالى : أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 13 ) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ( 14 ) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 15 ) [ التوبة : 13 - 15 ] . وترى من هذا النص أن الأساس هو الابتداء بالاعتداء . فإذا ابتدأ الاعتداء وجب